من أرض السواد إلى أسواق الاستيراد..



وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,, 

ايمان السوداني ,,, 

أين اختفت خضرة العراق؟

العراق الذي كان يُطعِم الآخرين.. لماذا أصبح ينتظر شاحنات الغذاء من الخارج؟

كان العراق يوماً بلداً تُروى حكايته من خلال سنابل القمح، وحقول الشعير، وبساتين النخيل، وأشجار الفاكهة، ورائحة الأرض بعد المطر. كانت الزراعة جزءاً من حياة العراقيين، وكان الفلاح يحمل معوله ويخرج مع شروق الشمس ليزرع أرضه، مؤمناً بأن تعب اليوم هو قوت الغد.

في الأمس، كانت القرى تعيش على خيرات أراضيها، وكانت الأسواق تمتلئ بالمحاصيل المحلية، وكان المنتج العراقي حاضراً على موائد العائلات. أما اليوم، فقد تبدلت الصورة، وأصبحت الأسواق تستقبل كميات كبيرة من المنتجات المستوردة، حتى بات المواطن يتساءل: كيف تحولت أرض بهذا الاتساع، وبهذه الإمكانات، إلى بلد يعتمد على استيراد كثير من غذائه؟

إن الزراعة العراقية لا تفتقد الأرض الخصبة وحدها، بل تفتقد منظومة متكاملة من الدعم والتخطيط والإدارة. فالفلاح يعاني شح المياه، وارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمبيدات، وغلاء الوقود، وضعف وسائل الري الحديثة، فضلاً عن صعوبة تسويق محصوله وغياب الضمانات التي تحميه من الخسارة.

ومن المؤلم أن يبذل الفلاح جهداً طوال الموسم، ثم يجد نفسه عاجزاً عن بيع محصوله بالسعر الذي يضمن له الاستمرار، بينما تدخل المنتجات المستوردة إلى الأسواق وتنافس المنتج المحلي. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف نشجع الفلاح على الزراعة إذا لم نضمن له سوقاً عادلة، وسعراً منصفاً، ودعماً حقيقياً؟

أما كثرة الاستيراد، فهي ليست نتيجة سبب واحد؛ بل ترتبط أحياناً بنقص الإنتاج المحلي، وتراجع المساحات المزروعة، وشح المياه، وتغير المناخ، وضعف التخزين والتسويق والتصنيع الزراعي، إضافة إلى الحاجة إلى سد الفجوة بين ما ينتجه البلد وما يستهلكه المواطن.

إننا لا نطالب بإغلاق أبواب الاستيراد، بل نطالب بأن لا يكون الاستيراد بديلاً عن بناء الإنتاج الوطني. فالدول التي تحترم أمنها الغذائي لا تترك فلاحيها يواجهون وحدهم تحديات المواسم والأسواق.

نحن بحاجة إلى خطط زراعية حقيقية، وتطوير منظومات الري، وتوفير البذور والأسمدة بأسعار مدعومة، وإنشاء مخازن ومراكز تسويق حديثة، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير المتكافئة، فضلاً عن تشجيع الشباب على دخول القطاع الزراعي والاستثمار فيه.

فالزراعة ليست مجرد مهنة يمارسها الفلاح، بل هي أمن غذائي واقتصاد وطني واستقرار اجتماعي. وحين تتراجع الزراعة، لا تخسر الأرض خضرتها فقط، بل يخسر البلد جزءاً من استقلاله وقدرته على تأمين احتياجات شعبه.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل نريد للعراق أن يستعيد مكانته الزراعية، أم نبقى أسرى الأسواق المستوردة، فيما أرضنا تنتظر من يزرعها ويمنحها الحياة؟

إن الأرض لا تبخل على من يخدمها، ولكنها تحتاج إلى دولة ترعى الفلاح، وتخطط للمستقبل، وتجعل من الزراعة أولوية لا شعاراً موسمياً.

فالعراق لا تنقصه الأرض وحدها، بل يحتاج إلى إرادة تعيد للأرض قيمتها وللفلاح كرامته.

قال رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

«ما من مسلمٍ يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».

فالزرع حياة، والغرس عطاء، وخدمة الأرض مسؤولية وأمانة. فلنحافظ على أرض العراق، ولننصف فلاحه، فالأوطان لا تُبنى بالاستيراد وحده، بل بسواعد أبنائها وخيرات أرضها.


بواسطة ina
اضيف 2026-11-04
مشاهدات 19
اخر تحديث 2026/11/04 - 8:02 PM

تعليق جديد

اخبار مشابهة

جميع الحقوق محفوظة www.Ina-Iraq.net © 2026