
حبر وذاكرة     زهرة النيل تخنق انهارنا

وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد       سناء النقاش         ثمة مفارقة مؤلمة في أن تتحول زهرة إلى عدو      فالزهرة  في وجدان الإنسان  رمز للجمال والحياة والعطر والربيع  لكن  زهرة النيل  التي تمددت في أنهار العراق لم تعد تشبه الصورة الجميلة التي يحملها اسمها  فقد تحولت إلى غطاء أخضر كثيف يخنق الماء  ويضي ق مجاري الأنهار والجداول  ويهدد الزراعة والأسماك ومشاريع الري والإسالة      ولهذا فإن الحملة الوطنية التي انطلقت لإزالة هذه النبتة ليست حملة تنظيف عابرة  بل معركة دفاع عن شيء اسمه الماء  والماء في العراق ليس مجرد مورد طبيعي الماء هو تاريخ العراق   هو دجلة الذي حمل بغداد على كتفيه  والفرات الذي شق طريقه بين المدن والقرى والبساتين  من الانبار الى الحلة وكربلاء والديوانية والسماوة وحتى ذي قار  وهو النخلة التي وقفت طويلا  على ضفافه  والفلاح الذي انتظر من النهر موسما  جديدا   والسمكة التي لا تعرف وطنا  غير الماء   حين نرى اليوم آليات وحفارات وفرقا  ميدانية تزيل زهرة النيل من الأنهر  ينبغي ألا نرى المشهد باعتباره عملية آلية لإزالة نبات ضار فقط  علينا أن نراه بوصفه صورة من صور الدفاع عن الحياة      لقد اتسعت الحملة الوطنية لتشمل عددا  من المحافظات  بمشاركة وزارات ودوائر حكومية وحكومات محلية وفرق تطوعية  في محاولة للحد من انتشار هذه النبتة الغازية وتأثيراتها في انسيابية المياه والثروة السمكية والمشاريع الإروائية      وفي واسط  على سبيل المثال  وصلت عمليات الرفع إلى أرقام كبيرة  مع استخدام آليات برمائية وحفارات وشاحنات  فيما أشارت المحافظة إلى رفع نحو 150 طنا  يوميا  في أحد المواقع خلال الحملة       لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل يكفي أن نزيل الزهرة   أم علينا أن نسأل  لماذا وجدت البيئة المناسبة لكي تنتشر بهذا الشكل   فهذه النبتة سريعة النمو والتكاثر  وقد تحولت في مناطق عراقية عدة إلى مشكلة بيئية ومائية حقيقية  خصوصا  مع انخفاض مناسيب المياه وارتفاع درجات الحرارة وتوافر ظروف تساعدها على الانتشار  وقد حذرت الجهات المختصة من آثارها في الأنهار والجداول والتنوع الأحيائي    وهنا تبدأ المعركة الحقيقية      فإذا كانت الحملة تزيل زهرة النيل اليوم  ثم تعود النبتة غدا  أو بعد أسابيع إلى المكان نفسه  فإننا نكون قد عالجنا المشهد ولم نعالج المرض   المطلوب إذن ألا تكون هناك حملة موسمية تنتهي بانتهاء الأخبار والصور المطلوب برنامج وطني دائم ومراقبة مستمرة للمجاري المائية  وتشخيص مبكر لبؤر الانتشار  وسرعة في التدخل  وتعاون حقيقي بين الموارد المائية والبيئة والحكومات المحلية والجامعات والمراكز البحثية  فضلا  عن إشراك المواطنين الذين يعيشون قرب الأنهار      والأهم من ذلك كله أن نتعامل مع الأنهار باعتبارها كائنا  حيا  يحتاج إلى رعاية يومية   لقد قال المسؤولون إن الحملة لن تكون إجراء  وقتيا  أو موسميا   بل بداية لخطة وطنية متواصلة لاستئصال هذه الآفة من الأنهر العراقية     وهذا تحديدا  ما نريد أن نراه لا نريد أن تكون  زهرة النيل  خبرا  موسميا  يظهر كل صيف ثم يختفي   نريد أن تكون هذه الأزمة فرصة لكي نعيد التفكير في علاقتنا بالماء فالعراق الذي يواجه شحا  مائيا  متزايدا  لا يستطيع أن يسمح لأي عامل  نباتيا  كان أم بشريا   بأن يهدر قطرة إضافية أو يعطل وصولها إلى أرض عطشى      وإذا كان تخصيص خمسة مليارات دينار لإزالة زهرة النيل خطوة مهمة  فإن الأهم هو أن نعرف كيف نحول الإنفاق إلى نتيجة مستدامة  وأن تكون هناك رقابة على التنفيذ وقياس واضح للنتائج     ربما تبدو زهرة النيل صغيرة أمام مشكلات العراق الكبيرة لكن المشكلات الكبرى تبدأ أحيانا  من أشياء تبدو صغيرة نبتة واحدة مجرى صغير   جدول مهمل ثم تتمدد المشكلة بصمت حتى يصبح علاجها أكثر كلفة وصعوبة ولهذا فإن معركة زهرة النيل ليست معركة ضد نبات فحسب إنها معركة ضد الإهمال ضد التأجيل   ضد فكرة أن الأنهار ستظل تجري مهما فعلنا بها   دجلة لا يملك صوتا  ليشتكي والفرات لا يستطيع أن يكتب عريضة احتجاج والأسماك لا تستطيع أن تطالب بحقها في الأوكسجين   والنخيل لا يستطيع أن يسأل  أين ذهب الماء   نحن الذين يجب أن نتحدث نيابة عن كل ذلك   وحين تقف فرق العمل على ضفاف النهر  وتدخل الآليات إلى الماء لتزيل تلك الكتل الخضراء  أتمنى ألا نرى في المشهد مجرد عمال ينظفون نهرا    أتمنى أن نرى أبناء بلد يحاولون إنقاذ آخر ما تبقى من ذاكرة الماء فالعراق لم يكن يوما  بلدا  بلا ماء   كان بلدا  صنع الحضارة من الماء وسيبقى     واليوم  ونحن نكافح زهرة تريد أن تخنق أنهارنا  علينا أن نتذكر أن حماية دجلة والفرات ليست مسؤولية وزارة وحدها  ولا حكومة وحدها  ولا حملة تنتهي بانتهاء موسمها إنها مسؤولية وطن كامل لأننا حين نحمي النهر  لا نحمي الماء وحده نحن نحمي العراق الذي ولد على ضفافه

المقالات
بواسطة	ina

مشاهدات	68
اضيف	2026/09/16 - 6:56 PM
اخر تحديث	2026/09/17 - 1:45 PM


https://ina-iraq.net/content?i=130527
وكالة الانباء العراقية المستقلة
Ina-Iraq.net
