
حين تصبح الغيرة سُمّاً في بيئة العمل…

وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,   ايمان السوداني ,,    لماذا يحارب البعض نجاح زملائهم بدلاً من أن ينجحوا مثلهم،؟  في بعض أماكن العمل، لا تكون المشكلة في قلة الخبرة أو ضعف الإمكانيات، بل في نفوسٍ ضاقت بالنجاح، وقلوبٍ لا تتحمل رؤية زميلٍ يتقدم أو يحظى بالتقدير. فبدلاً من أن تكون الوظيفة مساحةً للعطاء والتعاون وخدمة الناس، تتحول أحياناً إلى ساحةٍ للمنافسة غير الشريفة، وتصفية الحسابات، ومراقبة الآخرين، وكأن نجاح الموظف الآخر انتقاصٌ من قيمة من حوله  إن الغيرة بين الموظفين ظاهرة تستحق الوقوف عندها، خصوصاً عندما تتجاوز حدود المنافسة الطبيعية لتصبح حقداً وتشهيراً، ومحاولاتٍ للتقليل من جهود الآخرين، ونقل الكلام، وافتعال المشكلات، وربما وضع العراقيل أمام من يعمل بإخلاص ويؤدي واجبه بأمانة.  والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يريد البعض أن تكون جميع المكاسب لهم، وجميع كلمات الثناء من نصيبهم، وجميع الأبواب مفتوحة أمامهم، بينما يضيقون ذرعاً عندما يحصل زميلهم على فرصةٍ يستحقها؟  إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخشى نجاح الآخرين، بل يرى فيه حافزاً للتطور والتقدم. أما من يعيش أسير المقارنة، فيعتقد أن تميز زميله تهديدٌ لمكانته، فينشغل بمراقبة خطواته بدلاً من تطوير قدراته، ويستهلك طاقته في محاربته بدلاً من استثمارها في النجاح.  والأخطر من ذلك أن بعض النفوس لا تكتفي بعدم تمني الخير للآخرين، بل تسعى إلى إطفاء فرحتهم، وتشويه صورتهم أمام المسؤولين، والتشكيك في كفاءتهم، متناسيةً أن السمعة الطيبة لا تُبنى بإسقاط الآخرين، وأن المكانة الحقيقية لا تُنال بالنميمة والمكر، بل بالعمل والأخلاق والاستحقاق.  فالوظيفة ليست ملكاً لأحد، والنجاح ليس حكراً على شخص، والتقدير ليس جائزةً يجب أن يحصل عليها موظف واحد دون سواه. إن المؤسسة الناجحة هي التي تمنح كل ذي حق حقه، وتعتمد الكفاءة والإنجاز معياراً للتقييم، لا القرب الشخصي ولا الوشاية ولا العلاقات الخاصة.  ومن هنا تأتي مسؤولية الإدارة في وضع معايير واضحة وعادلة لتقييم الموظفين، والاستماع إلى الشكاوى بموضوعية، وعدم السماح بتحويل مكان العمل إلى بيئة يسودها الخوف والتربص. كما تقع على الموظف مسؤولية الحفاظ على أخلاقه، وعدم الانجرار إلى المهاترات، والاحتكام إلى الوقائع والإنجازات، وتوثيق عمله ومواقفه المهنية عند الحاجة.  أما من يتعرض للغيرة والحسد في عمله، فعليه أن يدرك أن رضا جميع الناس غاية لا تُدرك، وأنه ليس مطالباً بإرضاء النفوس التي لا يرضيها إلا تراجع الآخرين. فليواصل عمله بإخلاص، وليحفظ لسانه، وليجعل نجاحه جواباً هادئاً عن كل محاولةٍ للنيل منه، من دون ظلمٍ أو إساءةٍ أو انتقام.  وفي نهاية المطاف، تبقى الأخلاق هي الاختبار الحقيقي للإنسان، وتبقى بيئة العمل مرآةً لما تحمله النفوس من قيم. فكم من موظفٍ ارتفع بخلقه قبل منصبه، وكم من شخصٍ خسر احترام زملائه رغم ما امتلكه من صلاحيات!  ليس العيب أن ترى زميلك ناجحاً، بل العيب أن تتمنى سقوطه كي تشعر أنك أفضل منه. وليس النبل أن تجمع كل الخير لنفسك، بل أن تفرح لغيرك كما تفرح لنفسك. فالحياة لا تضيق بنجاح الآخرين، وإنما تضيق بالنفوس التي لا تعرف معنى القناعة، ولا تتذوق جمال المحبة، ولا تدرك أن الخير حين ينتشر بين الناس يعود بالنفع على الجميع.  فلنجعل من أماكن عملنا ميادينَ للإبداع والتعاون، لا ساحاتٍ للحقد والتنافس المريض؛ فالأثر الطيب يبقى، أما محاولات إيذاء الآخرين فلا تصنع مجداً، ولا تمنح صاحبها احتراماً حقيقياً.

المقالات
بواسطة	ina

مشاهدات	43
اضيف	2026/10/18 - 6:47 PM
اخر تحديث	2026/10/19 - 1:25 AM


https://ina-iraq.net/content?i=131267
وكالة الانباء العراقية المستقلة
Ina-Iraq.net
