وكالة الانباء العراقية المستقلة
حبر وذاكرة هل اصبح البيت أخطر من الشارع
وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,,,
*سناء النقاش ,,
لم تعد أخبار العنف الأسري في العراق تمرّ علينا كحوادث فردية عابرة ،جريمة المدرس في ميسان الاسبوع الماضي اثارت المجتمع والاعلام ورجال القانون والعشائر ،هذا الرجل أطلق النار داخل منزله على زوجته وابنتيه، فقتل زوجته وإحدى ابنتيه وأصاب الثانية، قبل أن ينهي حياته، أعاد إلى الواجهة سؤالاً موجعاً: ماذا يحدث داخل بعض البيوت العراقية حتى تتحول الأسرة، التي يفترض أن تكون المكان الأكثر أمناً، إلى مسرح للقتل؟
الأرقام تقول إن المسألة ليست حالات معزولة. فقد أظهرت إحصاءات مجلس القضاء الأعلى تسجيل 21,595 حالة عنف أسري عام 2022، و18,436 حالة عام 2023، و13,857 حالة في النصف الأول من 2024، بينما أعلن المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن الحالات المسجلة رسمياً وصلت إلى 36,289 حالة خلال عام 2025. وفي النصف الأول من 2026، أشارت إحصاءات رسمية إلى تسجيل أكثر من 9 آلاف حالة عنف ضد النساء وأكثر من ألفي حالة عنف ضد الأزواج
لكن الرقم، مهما كان كبيراً، لا يمثل الحقيقة كاملة. فالعنف الأسري من أكثر الجرائم التي يحيط بها الصمت والسرية فالمرأة تخشى أن تبلغ لأن أهلها سيعيدونها إلى بيتها، أو لأن أبناءها قد يصبحون ضحية للنزاع، أو لأن المجتمع قد يسألها: «لماذا اشتكيتِ على زوجك؟». وطفل يتعرض للضرب ولا يعرف أين يذهب، وأم تتحمل الإهانة سنوات خوفاً من انهيار الأسرة.
والأخطر أن العنف لا يبدأ دائماً برصاصة قاتلة ،يبدأ أحياناً بكلمة مهينة، ثم بالتهديد، ثم بالسيطرة على الهاتف والمال والعلاقات، ثم بالضرب، وقد ينتهي بجريمة قتل.
فما الأسباب؟
لا يوجد سبب واحد،هناك ضغوط اقتصادية وبطالة ومشكلات زوجية، وهناك تعاطي المخدرات والكحول، وضعف القدرة على السيطرة النفسية عند الغضب، وتجارب طفولة عاش فيها المعتدي نفسه العنف وتعلم أن القوة هي وسيلة حل المشكلات. وهناك أيضاً ثقافة اجتماعية تمنح الرجل، في بعض البيئات، شعوراً زائفاً بأن الزوجة والأطفال ملك له، وأن تأديبهم حق شخصي يتصرف بهم كما يشاء ،ولا ننسى التوترروالاجواء الخانقة والتلوث وعدم الاطمئنان والهجرة الى الخارج والفراق وضعف الخدمات والفساد والامراض
كلها عوامل ضاغطة على الرجال والنساء على حد سواء ،اذن يجب فرض القانون
لكن هل يكفي أن نقول: «يجب تطبيق القانون»؟
بالتأكيد لا، وإن كان القانون هو خط الدفاع الأخير.
العراق يحتاج إلى قانون متكامل لمكافحة العنف الأسري، يضع حماية الضحية في المقدمة، ويوفر أوامر حماية سريعة، وملاجئ آمنة، ومراكز إرشاد نفسي واجتماعي، وآليات واضحة للتبليغ والتحقيق. والأمم المتحدة أشارت بالفعل إلى أن غياب إطار قانوني شامل للعنف الأسري يعرقل الحماية والمساءلة، ودعت إلى تحسين التحقيقات وتدريب الشرطة والقضاة وتوفير خدمات الدعم للناجين.
كما أن الإصلاح القانوني يجب أن يرافقه إصلاح اجتماعي يبدا من المدرسة التي يجب أن تعلم الطفل أن الرجولة ليست في ضرب الأضعف، والإعلام يجب ألا يحول الجريمة الأسرية إلى قصة مثيرة فقط، والمؤسسة الدينية مطالبة بتأكيد حرمة الاعتداء على الزوجة والأطفال، ومراكز الصحة النفسية يجب أن تكون متاحة لمن تظهر عليه علامات العدوان والإدمان والانهيار النفسي.
والأهم: علينا أن نكتشف العنف قبل أن يصبح جريمة قتل.
عندما تضرب امرأة زوجها أو يضرب زوج زوجته، عندما يهدد الأب أبناءه، عندما يعيش الطفل في منزل يسمع فيه الصراخ يومياً، فهذه ليست «شؤوناً عائلية» ينبغي للمجتمع أن يغض النظر عنها.
البيت الذي يسوده الخوف ليس بيتاً آمناً، والأسرة التي تتعلم الصمت أمام العنف قد تربي ضحية جديدة أو معتدياً جديداً.
لقد آن الأوان لأن نغيّر السؤال من: «ماذا فعلت الضحية حتى غضب عليها؟» إلى السؤال الصحيح: «لماذا سمحنا للعنف أن يصل إلى هذه الدرجة؟»
فإنقاذ الأسرة العراقية لا يبدأ بعد وقوع الجريمة، بل يبدأ عندما نأخذ أول تهديد على محمل الجد
وارل العلامات التفسية لعلاجها