وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,,
بقلم ايمان
السوداني ,,
يُعدّ أدب
السجون أحد أكثر الأجناس الأدبية صدقًا وعمقًا، لأنه يولد من رحم المعاناة، ويُكتب
في ظروف تُصادر فيها الحرية ويُختبر فيها الإنسان في جوهره. فهو ليس مجرد سرد
لتجربة الاعتقال، بل شهادة إنسانية وثقافية تكشف طبيعة القمع، وتعيد الاعتبار
للصوت الذي حاولت السلطة إسكاتَه.
ينشأ أدب
السجون في بيئة مغلقة، حيث يُجرد الفرد من أبسط حقوقه، ويُحاصر بالجدران والقيود
والعزلة. ومع ذلك، تتحول الكتابة داخل الزنازين إلى فعل مقاومة، وإلى وسيلة للحفاظ
على الذات من الانكسار. فالكلمة هنا لا تكون ترفًا، بل ضرورة وجودية، ووسيلة
للبقاء النفسي والعقلي في مواجهة القهر.
يتميّز هذا
الأدب بخصوصية نابعة من صدقه، إذ لا يعتمد على الخيال المجرد بقدر ما يستند إلى
تجربة معيشة. لذلك تأتي لغته مباشرة، مؤلمة أحيانًا، لكنها مشبعة بالوعي والأسئلة
الكبرى: الحرية، العدالة، الكرامة، ومعنى الإنسان في عالم ظالم. ومن هنا، لا يقتصر
أدب السجون على كونه أدب معاناة، بل يتحول إلى أدب تفكير وتأمل وإدانة أخلاقية
للأنظمة القمعية.
ورغم القسوة
التي تحيط بتجربة السجن، فإن الإبداع يجد طريقه إلى النور. فالسجين الكاتب يعيد
تشكيل الزمن، ويخلق فضاءً بديلًا عبر الذاكرة واللغة. تتحول الزنزانة إلى مساحة
للتأمل، ويغدو القلم نافذة تطل على العالم الخارجي، بل وعلى الذات الداخلية بكل
تناقضاتها وقوتها وضعفها. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: في المكان الذي تُقيَّد فيه الحرية
الجسدية، تنطلق حرية الفكر.
كما أن أدب
السجون لا يعبر عن تجربة فردية فقط، بل يوثق مرحلة تاريخية كاملة، ويكشف آليات
القمع السياسي والاجتماعي. إنه أدب الشهادة، الذي يمنح الضحايا حق الكلام، ويحفظ
الذاكرة من النسيان أو التزييف. ولعل هذا ما يجعل هذا النوع الأدبي مزعجًا للسلطات
المستبدة، لأنه يفضح ممارساتها ويُبقي الأسئلة مفتوحة.
ولا يخلو أدب
السجون من بعد إنساني عميق، حيث تتجلى العلاقات بين السجناء، ومعاني التضامن،
والصداقة، والأمل، وحتى الفكاهة السوداء التي تُستخدم كوسيلة لمقاومة اليأس. فوسط
العتمة، يظل الإنسان قادرًا على إنتاج المعنى، وعلى التشبث بإنسانيته مهما اشتد
القمع.
لقد قدّم أدب
السجون في العالم العربي والعالمي نماذج بارزة، أسهمت في تطوير السرد الأدبي،
وكسرت الحدود بين الأدب والسياسة، وبين التجربة الشخصية والهمّ الجمعي. وهو أدب لا
ينتمي إلى الماضي فقط، بل يظل حاضرًا ما دامت هناك سجون للرأي، ومصادرة للحرية.
في الختام،
يمكن القول إن أدب السجون هو انتصار للروح الإنسانية على القمع، وانتصار للكلمة
على الصمت المفروض. إنه يذكّرنا بأن الإبداع لا يُولد في الظروف المثالية فقط، بل
قد يزهر في أقسى البيئات، ليكون شاهدًا، وصرخة، وأملًا لا ينطفئ. |