وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,,,
فيصل سليم ,,
العراق ليس مجرد وطن على خارطة العالم،
بل هو مهد حضارات كتبت أول الحروف، وسجلت أول القوانين، وأشعلت أول مصابيح المعرفة
في تاريخ البشرية. من أرض الرافدين خرج الفكر، ونبت الأدب، وازدهرت الثقافة التي
صنعت هوية شعب عُرف بعشقه للعلم والكلمة.
لكن حين ننظر إلى واقع الثقافة في
العراق اليوم، نجد سؤالًا مؤلمًا يفرض نفسه: أين أصبحت الثقافة في بلد كان يومًا
منارة للعلم والأدب؟
الثقافة العراقية اليوم تقف بين إرث
عظيم وحاضر مليء بالتحديات. فسنوات الحروب والأزمات والانشغال بالهموم المعيشية
أثرت بشكل واضح على المشهد الثقافي. المكتبات لم تعد كما كانت، والقراءة تراجعت
لدى كثير من الشباب، وأصبح العالم الرقمي يسرق الوقت والانتباه من الكتاب والفكر.
المؤلم أكثر أن بعض العقول المبدعة
باتت تعيش في عزلة أو هاجرت بحثًا عن بيئة تحتضن الإبداع. الكاتب، الشاعر، الفنان،
والمثقف الحقيقي غالبًا ما يواجه صعوبات كبيرة في إيصال صوته وسط ضجيج الحياة
اليومية.
ومع ذلك، لا تزال الثقافة العراقية
حيّة… نعم، قد تكون متعبة، لكنها لم تمت. ما زال هناك شباب يكتبون، وشعراء يبدعون،
وفنانون يرسمون الأمل فوق جدران التعب. ما زالت بغداد تحتفظ بروحها الثقافية التي
قاومت الانكسار رغم كل شيء.
إن نهضة الثقافة لا تبدأ فقط من
المؤسسات، بل من الإنسان نفسه. حين يعود الأب ليشجع أبناءه على القراءة، وحين تعود
المدرسة لتغرس حب المعرفة، وحين يصبح الكتاب صديقًا لا غريبًا، عندها تبدأ النهضة
الحقيقية.
الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء
مجتمع واعٍ. فالأمم لا تنهض بالمال وحده، بل بالعقول التي تفكر، وبالأقلام التي
تكتب، وبالوعي الذي يحمي الأجيال من الجهل والانحدار.
العراق يملك تاريخًا ثقافيًا لا يُقدّر
بثمن، لكن هذا الإرث يحتاج إلى من يصونه ويعيد إليه الحياة. فالأوطان التي تُهمل
ثقافتها، تُعرّض هويتها للضياع.
ويبقى السؤال: هل سنعيد للثقافة
العراقية مكانتها التي تستحقها؟ أم سنترك صفحات المجد تُطوى بصمت؟
المستقبل يُكتب الآن… والقلم ما زال
بيدنا. |